
في أوطانٍ تُبنى على سواعد الرجال، ويُصان أمنها الاقتصادي برجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يبرز في الذاكرة الوطنية اسمٌ من ذهب، خطّ مسيرته بالعمل الجاد، والعطاء اللامحدود، والوفاء لمهام الخدمة العامة. إنه سعادة العميد (م) الضي فرحنا، أحد أعمدة العمل الجمركي في السودان، وأحد الذين أفنوا زهرة عمرهم في سبيل حماية مقدرات الوطن من العبث والتهريب والتجاوزات.
وفي زمن يحتاج فيه السودان إلى النماذج الوطنية الملهمة، يُصبح من واجبنا تسليط الضوء على أولئك الذين صانوا الأمانة، وكرّسوا قيم النزاهة والانضباط، دون أن يبحثوا عن الأضواء أو التكريم، مؤمنين بأن خدمة الوطن هي أسمى تكريم.
ومن هذا المنطلق، نتوجه بندائنا الصادق إلى سعادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي، بضرورة تكريم العميد معاش الضي فرحنا، وهو تكريم لا يُضاف إلى تاريخه فحسب، بل يُسجَّل في دفتر الوطن كلمسة وفاء لرجل كان في موقع المسؤولية يومًا، وأدى واجبه بكل تجرد.
مسيرة عسكرية ومهنية حافلة بالعطاء
التحق سعادة العميد الضي فرحنا بالقوات النظامية في شبابه، وخاض تدريبه العسكري برؤية القائد الحريص على الانضباط والالتزام. وقد تميز منذ بداياته بالصرامة الإيجابية، والدقة في تنفيذ المهام، وحسن التعامل مع مرؤوسيه وزملائه على حدٍ سواء.

خلال سنوات خدمته في هيئة الجمارك السودانية، تنقل بين عدة إدارات ومحطات حدودية ومراكز جمركية، كان فيها جميعًا مثالًا للمهنية العالية، والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، والالتزام الحازم بالقوانين واللوائح، ما أكسبه احترامًا واسعًا من قياداته ومن الوسط الجمركي عمومًا.
بصماته في الجمارك… إنجازات لا تُنسى
من بين أعقد التحديات التي واجهت هيئة الجمارك السودانية، تأتي ظاهرة التهريب والفساد الإداري والجمركي في بعض الأحيان، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية المتقلبة. وقد كان لسعادة العميد الضي فرحنا دور محوري في وضع حد لكثير من هذه التجاوزات، عبر:
تفعيل الرقابة الميدانية في المعابر الحدودية والموانئ.
إعادة تنظيم العمل الإداري داخل الإدارات التي أشرف عليها.
فرض الانضباط الأخلاقي والمهني في صفوف العاملين تحت قيادته.
العمل على رقمنة بعض العمليات الجمركية بما يحدّ من التدخلات البشرية.
تشجيع الإبلاغ عن التجاوزات والمخالفات دون خوف، وبضمان سرية كاملة.
كان الضي فرحنا شديد الحرص على هيبة الدولة، وعلى أن تكون الجمارك خط الدفاع الأول لحماية الاقتصاد الوطني من الاستنزاف، ونجح في استعادة مئات الملايين من الجنيهات لصالح الخزينة العامة، من خلال حملات تفتيش دقيقة وضبطيات نوعية.
مدرسة في القيادة والتأهيل
لم يكن العميد الضي فرحنا ضابطًا إداريًا فقط، بل كان معلّمًا وقائدًا ميدانيًا وأخًا أكبر لكل من عمل تحت إمرته. وقد شهد له العديد من زملائه بأنه كان حريصًا على نقل خبراته وتجاربه إلى الجيل الجديد من الضباط، موجهًا ومتابعًا، دون أن يتوانى عن تقديم الدعم الفني والمعنوي لهم.
وقد أسس، خلال خدمته، نموذجًا إداريًا صارمًا وفاعلًا، تم فيه الجمع بين الحزم والإنسانية، وبين الأداء الوظيفي والتطوير المستمر، ما جعل الإدارات التي قادها من بين الأكثر كفاءة وانضباطًا في المؤسسة الجمركية.

شهادات من زملائه ورؤسائه
في حديث لأحد الضباط العاملين سابقًا مع سعادة العميد، قال:
> “كنا نرى فيه القدوة، لم يكن يرضى بأي تقصير، لكنه كان لا ينام قبل أن يتأكد من أن كل من معه بخير… لم يكن قائدًا عاديًا، بل أخًا وأبًا لنا جميعًا”.
وقال مسؤول إداري متقاعد:
> “إذا كُتب تاريخ الجمارك يوماً بصدق، فلن يُغفل اسم العميد الضي فرحنا… هذا الرجل وضع مصلحة الوطن نصب عينيه، ورفض كل مغريات الانحراف”.
هذه الشهادات، وغيرها، ليست إلا انعكاسًا لطبيعة الرجل: نزيه، وطني، ملتزم، ومحب للعدالة.
التكريم… وفاء واجب لا مجاملة عابرة
نؤمن أن التكريم قيمة أخلاقية ومجتمعية، لا تعني فقط منح الأوسمة والميداليات، بل إرسال رسالة وطنية تقول: “لن ننسى من خدمونا بإخلاص”.
ومن هذا المنطلق، نناشد السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي، والفريق أول شرطة مدير عام الجمارك، والجهات ذات الصلة، بتكريم سعادة العميد معاش الضي فرحنا تكريمًا رسميًا وشعبيًا يليق بما قدمه. فالرجل لم يطلب تكريمًا، ولم يسعَ إليه، لكنه يستحقه بكل ما تعنيه الكلمة.
هذا التكريم سيكون تحفيزًا لكل من يعملون في الظل، بأن الدولة لا تنسى أبناءها الأوفياء، وبأن النزاهة والانضباط لا يذهبان سدى.
رجال من طينة نادرة
الضي فرحنا ليس مجرد ضابط متقاعد، بل رمز لجيلٍ وطنيٍّ صادق، جيل آمن بأن الدولة تُبنى بالجهد لا بالكلام، وبالمبادئ لا بالمصالح. جيلٌ يرحل عن مناصبه نظيف اليد، عفيف النفس، مشرف الرأس، وهو راضٍ أن أدى الأمانة دون أن يطلب شيئًا في المقابل.
في وقتٍ كثرت فيه التحديات، وانقسمت فيه الرؤى، نحن في حاجة لأمثال الضي فرحنا، نستلهم منهم معنى الوطنية الخالصة، ونتعلّم كيف يكون الانتماء فعلًا لا شعارًا.

خاتمة: من الوفاء… إلى مستقبلٍ أكثر تقديرًا
قد لا تُوفي الكلمات رجلًا أفنى سنوات عمره في ميادين الجمارك، مدافعًا عن الوطن من منافذ التهريب، وناهضًا بالجهاز الإداري نحو الكفاءة والنزاهة. لكن الكلمة الصادقة، إذا صدرت من القلب، تصل إلى من يعنيهم الأمر.
لهذا، نرفع الصوت عاليًا:
كرّموا العميد معاش الضي فرحنا… لأنه يستحق، ولأن الأوطان لا تبنى إلا بعقول وسواعد أمثاله.
التحية والتقدير لهذا الرجل النبيل… وعاشت السودان حُرًا أبيًا بأبنائه المخلصين.



